استراتيجية الأذى.. كيف راهنت إيران على دمار المنطقة لبناء نفوذ مشوه؟
على مدار العقود الأربعة الماضية، وتحديداً منذ انطلاق الثورة الإيرانية عام 1979، شهدت منطقة الشرق الأوسط تحولاً جوهرياً في العقيدة العسكرية والسياسية الإيرانية، حيث انتقلت طهران من مرحلة التبشير الأيديولوجي الثوري إلى مرحلة “الهندسة الميدانية” للمجتمعات العربية عبر استراتيجية “تفتيت المركز”. تعتمد هذه الرؤية الإيرانية بشكل بنيوي على خلق شبكة معقدة من الوكلاء المسلحين والفاعلين من غير الدول الذين يعملون في مساحات رمادية خارج إطار السيادة الوطنية.
وفحص السجل الميداني والتقارير الحقوقية الدولية، مثل تقارير معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، يكشف بوضوح أن هذه الاستراتيجية لم تكن تهدف إلى بناء نفوذ سياسي تقليدي بقدر ما سعت إلى تحويل الجغرافيا العربية إلى “ثقوب سوداء” سيادية. تضمن طهران من خلال هذه الثقوب بقاء الدولة المضيفة في حالة من الوهن المستدام الذي يمنعها من اتخاذ أي قرار وطني يتعارض مع الأجندة الإقليمية للحرس الثوري الإيراني، مما يجعل السيادة مجرد واجهة قانونية لواقع تهيمن عليه الميليشيات.
وكلاء وضحايا
تتجلى المفارقة الأكثر مأساوية في هذه الاستراتيجية عند النظر إلى مصير المخيمات الفلسطينية في دول الطوق، والتي لطالما استُخدمت في الخطاب الإعلامي الإيراني كشعار للتعبئة والشرعية الثورية. فبالعودة إلى التاريخ الموثق لـ “حرب المخيمات” في لبنان (1985-1988)، نجد أن حركة أمل، التي كانت تتلقى في تلك الحقبة دعماً محورياً من طهران لتوطيد النفوذ الشيعي المسلح، شنت هجمات دموية على مخيمات صبرا وشاتيلا وبرج البراجنة. أفاد تقرير حكومي لبناني رسمي حينها بمقتل 3,781 شخصاً وإصابة 6,787 آخرين، بالإضافة إلى ضحايا الاقتتال الداخلي الفلسطيني الذي غذته الاستقطابات الإقليمية.
ولم يتوقف هذا النهج عند حدود لبنان؛ ففي العراق بعد عام 2003، تحول الفلسطينيون إلى هدف مباشر لميليشيات مدعومة إيرانياً مثل “فيلق بدر”. وثقت منظمات دولية مرموقة مثل هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية (أمنستي) عمليات قتل وتهجير واختطاف ممنهجة، مما أدى إلى نزوح جماعي لآلاف الفلسطينيين الذين وجدوا أنفسهم ضحايا لتصفية حسابات طائفية وسياسية لا علاقة لهم بها.
أما في سوريا، فقد بلغ الاستهداف ذروته في مخيم اليرموك (2012-2018)، الذي كان يأوي نحو 160 ألف فلسطيني قبل الحرب. خضع المخيم لحصار طويل شاركت فيه ميليشيات موالية لطهران، أبرزها “كتيبة 313” التابعة لـ “لواء الإمام الحسين”. وبحلول نهاية الحصار، كان المخيم قد أُفرغ من سكانه تقريباً، ووثقت منظمات فلسطينية حقوقية مجزرة “شارع علي الوحش” جنوب دمشق عام 2014، حيث قتلت الميليشيات العراقية وقوات النظام أكثر من 1,500 شخص، مع توثيق فقدان 1,033 آخرين على الأقل، في عملية وصفتها التقارير بأنها “تطهير مكاني” تحت غطاء عسكري إيراني.
المحارق الإقليمية
في سياق المحارق الكبرى التي شهدتها المنطقة، تبرز الحالة السورية واليمنية كنماذج صارخة للتكلفة البشرية الباهظة للتدخل الإيراني المباشر وغير المباشر. ففي سوريا، لم يكن انخراط “فيلق القدس” وحزب الله منذ عام 2011 مجرد دعم لنظام حليف، بل كان عملية “جراحة ديموغرافية” واسعة النطاق أشرف عليها قادة ميدانيون مثل قاسم سليماني لتأمين “الممر البري” الممتد من طهران إلى ضفاف المتوسط.
أدى هذا التدخل، بحسب إحصاءات المرصد السوري لحقوق الإنسان المحدثة حتى مارس 2025، إلى سقوط نحو 656,493 قتيلاً (منهم 199,068 مدنياً)، ونزوح أكثر من 6 ملايين لاجئ خارج البلاد، مما حول الدولة السورية إلى ساحة مفتوحة لتصدير الأزمات العابرة للحدود.
وبالتوازي مع ذلك، حولت طهران اليمن عبر دعمها المالي والعسكري لمليشيا الحوثي إلى ساحة استنزاف إقليمية. أشار تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) لعام 2021 إلى أن استمرار الحرب حتى عام 2030 سيؤدي إلى مقتل 1.3 مليون شخص، 70% منهم سيموتون لأسباب غير مباشرة مثل الجوع والأمراض. وتؤكد بيانات الأمم المتحدة لعام 2026 أن 18.2 مليون يمني يحتاجون مساعدة إنسانية ماسة، بينما يعاني 17 مليوناً من انعدام الأمن الغذائي. هذا الواقع هو نتاج ارتهان القرار الحوثي لصالح منصات الصواريخ والمسيرات الإيرانية التي لا تهدد الداخل اليمني فحسب، بل تهدد الممرات المائية الدولية وأمن الجوار العربي بشكل مباشر ومستمر.
توسع الفوضى
يعتمد النموذج الإيراني في السيطرة على مبدأ “إضعاف المركز لتقوية الوكيل”. ففي لبنان، يقدم التمويل السنوي الضخم لحزب الله، الذي تقدره وزارة الخارجية الأمريكية بنحو 700 مليون دولار، مثالاً حياً على كيفية مصادرة قرار الدولة السيادي. أدى انخراط الحزب في صراعات إقليمية، وآخرها “حرب الإسناد” (2023-2024)، إلى خسائر اقتصادية هائلة قدرها البنك الدولي بنحو 8.5 مليار دولار، بينما رفعت دراسات اقتصادية مستقلة هذا الرقم إلى 14 مليار دولار عند احتساب الفرص الضائعة وتدمير البنى التحتية، حيث تضرر أو دمر نحو 99 ألف وحدة سكنية.
وفي العراق، أدى دعم إيران لميليشيات “الحشد الشعبي” و”فيلق بدر” إلى خلق هيكلية أمنية موازية تضعف الجيش الوطني وتجعل السيادة العراقية رهينة للتجاذبات السياسية في طهران. وثقت منظمات حقوقية دور هذه الميليشيات في عمليات اغتيال الناشطين والتهجير القسري، مما هدد النسيج الاجتماعي العراقي. ولم يقتصر هذا الطموح على المشرق العربي؛ ففي السودان، كشفت التطورات الأخيرة عن تحالفات أيديولوجية هجينة بين الحرس الثوري والجناح العسكري للإخوان المسلمين (لواء البراء بن مالك). وفي مارس 2026، صنفت الولايات المتحدة هذا اللواء كمنظمة إرهابية بسبب ثبوت تورطه في إعدامات جماعية وروابطه الوثيقة مع طهران، مما يهدد بنقل “عدوى الميليشيات” إلى قلب القارة الإفريقية وتعميق الأزمة التي شردت بالفعل 12 مليون سوداني.
براغماتية سوداء
خلف هذه الأزمات المتلاحقة، تبرز “البراغماتية السوداء” للنظام الإيراني التي تتجاوز كل الشعارات الأيديولوجية المعلنة. فرغم خطاب “الموت لإسرائيل”، يسجل التاريخ تعاوناً استخباراتياً وعسكرياً سرياً في لحظات مفصلية. تشير تقارير استخباراتية تاريخية إلى أن إيران قدمت معلومات حيوية ساعدت إسرائيل في تدمير مفاعل تموز العراقي (عملية أوبرا 1981).
كما أن فضيحة “إيران-كونترا” في الثمانينيات، التي تضمنت بيع أسلحة أمريكية لإيران عبر وسيط إسرائيلي، تظل دليلاً دامغاً على أن النظام الإيراني مستعد للتحالف مع أي طرف لضمان بقائه وتوسيع نفوذه، حتى لو كان ذلك على حساب الشعارات التي يسوقها لوكلائه في المنطقة.
قوى الاستقرار
في مواجهة هذا التمدد، برزت رؤية قوية تقودها قوى الاستقرار في المنطقة، وعلى رأسها دولة الإمارات العربية المتحدة. تنطلق هذه الرؤية من أن التدخل الإيراني ليس مجرد خلاف سياسي، بل هو “محرك رئيسي لعدم الاستقرار” يهدف إلى تقويض مفهوم الدولة الوطنية ذاته.
وتؤكد الدبلوماسية الإماراتية في المحافل الدولية أن حماية الجغرافيا العربية والأمن القومي تتطلب استعادة هيبة الدولة المركزية، وتجفيف منابع تمويل الميليشيات، ومنع استخدام الأراضي العربية كمنصات لتهديد الأمن العالمي.
وأصبح مواجهة هذا التغلغل ضرورة وجودية، ليس فقط للدفاع عن الحدود، بل لحماية المجتمعات من التفتيت الطائفي الذي يسبق دائماً وصول السلاح الإيراني.
