التغيرات العالمية المستجدة في ظل التباين القائم في التعاطي مع الأحداث الدائرة حالياً في كل العالم، فرضت على جميع الدول بما فيهم روسيا التفكير بمخارج آمنة لتحييد آثار السياسات السلبية من طرف واحد دون مراعات مصالح الأطراف الأخرى.
ومن هنا نرى أن روسيا الإتحادية على الرغم من كل الإلتزامات المحلية والإقليمية والدولية ذات التكاليف الكبيرة عملت جاهدة على تطبيق قواعد جديدة في التحرك في كافة المجالات لتحقيق الإكتفاء الذاتي وتطوير مسار التنمية المستدامة، دون أن تغفل أهمية التشبيك ليس فقط على المستويين المحلي والإقليمي بل أيضا على المستوى الدولي بعيداً عن التباينات في المواقف السياسية، بما يخدم مصالح الجميع، دون أن تلتفت إلى الوراء والذهاب نحو التعامل برود الأفعال أو الإنتقام من أي طرف أساء لمصالحها، سواء كان قاصداً أو مضطراً أو مجبراً تحت ضغط الضرورة.

روسيا لديها خبرة كبيرة في التعامل مع منكعسات الأحداث وتعلم جيداً أنه لابد وأن يأتي وقت وتنتهي هذه النزاعات، لذا هي لاتفكر في النزاعات أو في إدارتها بقدر ما تهتم حلها كونها أحداث آنية مهما إمتدت في الزمن والجغرافيا، وتعمل على ذلك عن طريق تشبيك المصالح وتحقيق التكامل والتعاون مع الدول الأخرى بدل من أن تذهب نحو الإنتقام من هذه الدول أو شعوبها، بل تسعى إلى حل أكبر قدر ممكن من أسباب النزاعات، أو بالأحرى المرتكزات التي يستند عليها بعض القادة ليبرروا حروبهم وإعتدائهم على الآخرين، بمعنى آخر روسيا تذهب نحو سحب فتيل النزاعات من خلال تطوير التعاون التجاري والإقتصادي والإستثماري، وهذا بالنتيجة يحقق الإكتفاء ويحسن جودة الحياة للشعوب،ويعطي الشعور بالامان والأمل بالمستقبل، ويسحب فتيل الأزمات، لأنه لايعد هناك مبرر لأي من القادة من أصحاب الرؤس الحامية لأن يخلق عذراً لإحداث أي نزاع أو حروب بحجة حماية المصالح هجوماً أو دفاعاً، والأكثر من ذلك يعطي الشعوب دفعة قوية نحو رفض النزاعات والتفكير بالمستقبل أكثر والعمل بجد أكثر.
وبالتالي باتت النشاطات التي تقوم روسيا بتنظيمها مثالاً واضحاً للجميع بأنه دائما توجد فرصة لتنمية الحياة وتطويرها وإستثمار كل الإمكانات لتحقيق الإستدامة والإستقرار الإقتصادي والإجتماعي بمشاركة محلية ولإقليمية ودولية لتبادل الفرص والخبرات والإمكانات في إتجاه إيجابي بنّاء على عكس مايفعل البعض لتأمين مصالحه بشكل أناني وبأي طريقة كانت حتى لو بالحروب ودمار الآخرين، وهذا أيضا عامل مهم يستحق الإنتباه، وبطبيعة الحال لكل دولة الحق في أن تسير في هذا المسار، لكن من المهم جداً حساب ماينتج عن ذلك وخاصة عدم الإضرار بالآخرين تحت عناوين المصالح الوطنية.
من بين أمثلة كثيرة منتدى القوقاز للإستثمار الذي عقد في الفترة الممتدة مابين 28 الى 30 أبريل /نيسان 2026 بتنظيم من مؤسسة “روس كونغرس”، بمدينة مينيرالني فودي الروسية في إقليم ستافروبول ، ماجعله منصة استراتيجية لتعزيز الاستثمار وتنمية شمال القوقاز المنطقة التي تحظى بموقع استراتيجي له خصوصية كبيرة جداً جغرافية وديمغرافية وجيوبوليتيكية كعقدة وصل مركزية، مع التركيز على مشروعات كثيرة أخرى موازية مثل النقل والسياحة والصناعة.وغيرها من مشاريع وقطاعات التنمية.

في هذا المنتدى دائما يتم التركيز على محاور أساسية لتحقيق إنجازات مهمة في جذب الاستثمار، تعزيز التنمية الإقليمية، ودعم الصناعات الإبداعية، مع استعراض مشاريع استثمارية نوعية قابلة للتطوير والتوسع لتتعدى حدود روسيا وتستفاد منها باقي الدول على أساس المنفعة المتبادلة في تفعيل التطوير للبنى التحتية، الخدمات اللوجستية، السياحة، الزراعة، والمشاريع الاستثمارية الدولية، .بما يخدم بالعموم تحقيق عدة أهداف استراتيجية تسهم في تعزيز الشراكة بين الأعمال والحكومة وجذب استثمارات من شركاء أجانب.
منتدى القوقاز للإستثمار ليس فقط منصة، أو فعالية تبحث عن ضجيج إعلامي وصورة تقلب ظهر الواقع من سلبي إلى إيجابي فقط لأجل تقديم الصورة المبتذلة،لا بل هي نقطة طرد مركزي متعدد الإتجاهات ومحددة الأهداف في سياق يوضح استراتيجية روسيا لتعزيز قدراتها الاقتصادية الإقليمية وتوطيد التعاون مع الدول الصديقة بالدرجة الأولى، وكل الدول التي تريد أن تعيش بسلام وتقبل بالتعاون في إطار المصالح المتبادلة المنفعة وليس على أساس الإحتكار.
ومن هنا روسيا بدأت في هذه الإستراتيجية “الطرد المركزي” منذ زمن، على عكس كثير من المنظومات العالمية التي تبدأ من المحيط لتصل إلى المركز في عملية التطوير والتحديث، وإنما بدأت من المركز وإتجهت إلى المحيط في كل الإتجاهات على قاعدة أساسية صلبة تؤسسها روسيا وتضمن حصانتها وجودتها وفعاليتها لتحصين ذاتها وشركائها، لتكون فعلا نواة لا يضيع عنوانها عن أحد خاصة من من يريدون أن يتم بناء صرح تكافل داخلي شعبي رسمي في ظل ظروف ومستجدات وتحديات دولية قاسية جدا، ليمتد بين الدول والشعوب عامة .
د.نواف إبراهيم -كاتب وإعلامي متخصص بالشؤون الدولية

